محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
174
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
علم الحقيقة المأخوذ عن اللّه » . قال : فأبان الشيخ بهذا الكلام إن كلّ مختار الشرع لا يناقض اختيار مقام العبودية المبني على ترك الاختيار لئلا ينخدع عقل قاصر عن درك الحقيقة بذلك فيظن أن الوظائف والإرادات ورواتب السنن إرادتها يخرج بها العبد عن صريح العبودية ؛ لأنه قد اختار . فبيّن الشيخ أن كلّ مختارات الشرع وترتيباته ليس لك منه شيء وإنما أنت مخاطب أن تخرج عن تدبيرك لنفسك واختيارك لها لا عن تدبير اللّه تعالى ورسوله لك ، فافهم . قال : فقد علمت أن أبا يزيد ما أراد أن لا يريد ، إلّا لأن اللّه أراد منه ذلك ، فلم تخرجه هذه الإرادة عن العبودية المقتضاة منه » انتهى . وقد طال الكلام بنا في هذا المعنى حتى آل إلى بعد المناسبة بينه وبين المسألة المنبّه عليها من الكتاب ، والحديث شجون « 1 » ، يجرّ بعضه إلى بعض ، لكن لمّا كان قصدنا في هذا التنبيه استغنام ذكر الفوائد في مواضعها ومظانّها ؛ لتقرع مسائل هذا الفن الغريب أسماع من أراد اللّه تعالى توفيقه ممن بينه وبينه بعد المشرقين صحّ منا ذلك وكنّا سائرين فيها على أوضح المسالك ، وباللّه التوفيق . ما الشأن وجود الطلب ، إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب . إذا التزم العبد طلب حوائجه وحظوظه من مولاه ، ولم يطلب ذلك من غيره ، فلا يظن أنه وفّى بما يجب عليه من حقّ الربوبية ؛ فليس ذلك بالشأن المعتبر عند المحققين ، وإنما الشأن أن يتأدّب العبد بين يدي مولاه أدبا حسنا بأن يفوّض أمره إليه ، ويرضى بما قسم له ، ولا يطلب منه ما ليس له ، كما سيقول المؤلف رحمه اللّه بعد هذا ، ويطلب عبودية له ، لا لقصد نيل حظه ، فبهذين الوجهين يحسن أدبه ، ويصحّ سؤاله وطلبه ، وذلك هو الوفاء على التحقيق . ما طلب لك شيء مثل الاضطرار ، ولا أسرع بالمواهب إليك مثل الذلة والافتقار . اضطرار العبد هو أخصّ أوصاف عبوديته ، ولذلك لم يطلب من العبد شيء أجلّ منه ، قال أبو محمد عبد اللّه بن منازل « 2 » رضي اللّه عنه : « العبودية الرجوع في كل شيء إلى اللّه عزّ وجلّ على حدّ الاضطرار » . وفيه أيضا خاصية إجابة الدعاء ، قال اللّه
--> ( 1 ) الحديث ذو شجون : أي متشعب ذو فنون وأغراض . ( 2 ) عبد اللّه بن محمد بن منازل ( توفي سنة 329 ه - 940 م ) أبو محمد ، صوفي من أجل مشايخ نيسابور . له طريقة تفرد بها ، وكان عالما بعلوم الظاهر . كتب الحديث الكثير ورواه ومات بنيسابور . ( الأعلام 4 / 120 ، والرسالة القشيرية ص 435 ) .